ابن أبي الحديد
307
شرح نهج البلاغة
[ خطبة على بمكة في أول إمارته ] واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام وكلام أصحابه وعماله في واقعة الجمل ، كله يدور على هذه المعاني التي اشتملت عليها ألفاظ هذا الفصل ، فمن ذلك الخطبة التي رواها أبو الحسن علي بن محمد المدائني ، عن عبد الله بن جنادة ، قال : قدمت الحجاز أريد العراق ، في أول إمارة علي عليه السلام ، فمررت بمكة ، فاعتمرت ، ثم قدمت المدينة ، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ نودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه ، فشخصت الابصار نحوه ، فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله ، قلنا : نحن أهله وورثته وعترته ، وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الامرة ( 1 ) لغيرنا . وصرنا سوقة ، يطمع فينا الضعيف ، ويتعزز علينا الذليل ، فبكت الأعين منا لذلك ، وخشنت الصدور ، وجزعت النفوس . وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ، ويبور الدين ، لكنا على غير ما كنا لهم عليه ، فولى الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا ، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي ، فبايعتموني على شين منى لامركم ، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم ، وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع ، تعلمون ذلك ، وقد نكثا وغدرا ، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ، ويلقيا بأسكم بينكم . اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية ( 2 ) ،
--> ( 1 ) ا : " الامارة " . ( 2 ) ب : " أخذة واحدة رابية " ، وما أثبته عن ا . وأخذة رابية ، أي أخذة تزيد على الأخذات ، وقال الجوهري : أي زائدة ، كقولك : أربيت ، إذا أخذت أكثر مما أعطيت ، قال تعالى : ( فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) .